في تصعيد جديد يرفع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خريطة لمضيق هرمز واصفًا إياه بـ'الأرض الأمريكية الجديدة'، مؤكدًا عدم وجود مفاوضات مع إيران. في المقابل، تتمسك طهران بإغلاق المضيق وتشترط رفع الحصار والعقوبات، بينما تبقى أسواق النفط العالمية في حالة ترقب حذر.

في خطوة استفزازية جديدة تزيد من تأجيج الأوضاع في منطقة الخليج، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء خريطة لمضيق هرمز مع تعليق يقول: "أرض أمريكية جديدة"، مؤكدًا أن الممر المائي أصبح "مفتوحًا ويعمل بكامل طاقته". جاء هذا المنشور على منصته 'تروث سوشيال'، بعد يوم واحد فقط من انتهاء المهلة المحددة بـ60 يومًا لمذكرة التفاهم الموقعة مع إيران في يونيو الماضي.

ويُعد مضيق هرمز ممرًا مائيًا ضيقًا يربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي، ويُعتبر أحد أهم الممرات النفطية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي تقريبًا. وقد تحول هذا المضيق إلى بؤرة صراع رئيسية بين واشنطن وطهران منذ اندلاع الحرب بينهما في فبراير الماضي.

رسالة ترامب: لا حوار مع إيران والحصار مستمر

كتب ترامب في منشوره: "لا توجد محادثات أو مفاوضات جارية أو مخططة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وأضاف: "الحصار البحري ما زال ساريًا بالكامل. مضيق هرمز مفتوح ويعمل. جميع الألغام المائية تمت إزالتها أو تفجيرها".

هذه التصريحات تناقض ما صرح به يوم الاثنين، عندما قال إن إدارته أقامت قناة اتصال غير رسمية مع الحرس الثوري الإيراني، وهو ما نفته طهران بشدة. وكان ترامب قد هدد الأسبوع الماضي في تجمع حاشد في لونغ آيلاند بالقول: "بعد أن ننهي هزيمة إيران، التي تُهزم بشدة، سأعلن قريبًا مضيق هرمز أرضًا أمريكية".

ويُذكر أن الحرس الثوري الإيراني هو قوة عسكرية نخبوية تأسست بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وتتمتع بنفوذ كبير في البلاد وتشرف على البرنامج الصاروخي والبحرية الإيرانية.

موقف إيران: شروط صارمة لإعادة فتح المضيق

في المقابل، كان الموقف الإيراني حازمًا، حيث صرح كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، بأن المضيق سيبقى مغلقًا حتى تلتزم الولايات المتحدة بشروط الاتفاق المؤقت الموقع في 17 يونيو. وشملت هذه الشروط التي عرضها أمام البرلمان:

  • رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
  • إلغاء العقوبات النفطية المفروضة على طهران.
  • الإفراج عن الأصول المجمدة للدولة الإيرانية.
  • وقف جميع التهديدات والعمليات العسكرية في جميع الجبهات.

واتهم قاليباف الولايات المتحدة بمحاولة "ابتزاز المزيد من التنازلات"، معربًا عن استيائه من مسؤولي إدارة ترامب واصفًا إياهم بأنهم لا يرقون إلى مستوى المسؤولية.

اتفاق منهار وحرب لا تزال مستعرة

كانت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو قد نصت على "وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية في جميع الجبهات"، مع فترة 60 يومًا للتفاوض على اتفاق نهائي يشمل البرنامج النووي الإيراني. لكن سرعان ما انهار الاتفاق بسبب الخلاف حول السيطرة على المضيق.

أعلن ترامب إنهاء الاتفاق في 7 يوليو، وبعدها بأسبوع أعلنت إيران تعليقه. ومنذ منتصف يوليو، أصبح المضيق مغلقًا عمليًا، مع انخفاض حركة الملاحة البحرية بنسبة 19.5%، وفقًا لبيانات شركة الاستشارات النفطية 'كبلر'.

وقال مسؤول إيراني كبير لرويترز يوم الاثنين إن إيران ستتبنى الآن موقفًا "هجوميًا بالكامل" بسبب الجمود الدبلوماسي.

تهديدات لعُمان ودور الوساطة القطرية

في محاولة لتصعيد الضغط، هدد ترامب أيضًا بقصف عُمان، الدولة التي تشارك إيران في السيطرة الجغرافية على المضيق. وقال في مقابلة مع فوكس نيوز: "إذا اعترضت عُمان طريقنا، فسنقصفهم وندمرهم"، مضيفًا أن على إيران "رفع العلم الأبيض والاستسلام".

وتُعتبر عُمان تاريخيًا وسيطًا محايدًا في المنطقة، وتجري محادثات مع إيران حول إدارة الممر المائي. ومن جهة أخرى، أعربت قطر، التي تلعب دورًا وسيطًا أيضًا، عن أملها في أن يتيح اتفاق بين عُمان وإيران استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران.

وأكد المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن مثل هذا الاتفاق "سيسمح لنا بالعودة إلى إطار المفاوضات" وسيسهل "استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران".

تداعيات عالمية: النفط يرتفع والأسواق تترقب

أدى هذا التصعيد إلى موجة قلق في الأسواق العالمية. فقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 91 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يوليو، بينما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط إلى 85 دولارًا. ويُذكر أن مضيق هرمز كان يمر عبره ما يقارب خُمس إنتاج النفط الخام العالمي ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال.

كما طالت التداعيات الأسواق المالية، حيث وصل عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى مستوى قياسي بلغ 5.33% خلال الجلسة، وهو الأعلى منذ ما يقرب من عقدين، في حين بلغت السندات الألمانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى لها منذ 15 عامًا.

وفي تطور ميداني، رصدت أنظمة الدفاع الجوي في الإمارات العربية المتحدة يوم الثلاثاء صاروخين باليستيين أُطلقا من الأراضي الإيرانية، سقط أحدهما داخل مياهها الإقليمية. ولم يسفر الحادث عن ضحايا، لكنه أثار المخاوف في جميع أنحاء منطقة الخليج.

جذور الأزمة: حرب بدأت في فبراير

اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير، عندما شنت واشنطن وإسرائيل حملة عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، أصبح مضيق هرمز نقطة الاشتعال الرئيسية، حيث هددت إيران بإغلاقه وفرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا عليه.

ويراقب المجتمع الدولي التصعيد بقلق بالغ. ففي تطور ميداني آخر، هاجم الحوثيون المدعومون من إيران يوم الثلاثاء مصفاة تابعة لشركة أرامكو السعودية في جازان، بينما أصاب قذيفة مجهولة المصدر سفينة في المضيق، مما أسفر عن سقوط قتيل على متنها.

ومع استمرار الأزمة دون حل دبلوماسي في الأفق، وانحياز القوى الإقليمية بشكل متزايد، تتصاعد أزمة هرمز لتصبح واحدة من أكبر التحديات الجيوسياسية لهذا العام، مع عواقب مباشرة على الاقتصاد العالمي. غير أن جهود الوساطة القطرية والعمانية ما زالت تبعث على بعض الأمل في إمكانية احتواء التصعيد والعودة إلى طاولة الحوار.