لغز الأيام التسعة في أوليفوس: ماذا كان يفعل الرئيس؟
أثار اختفاء الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي عن الأنظار لمدة تسعة أيام متواصلة في مقره الرسمي كيتا دي أوليفوس (Quinta de Olivos)، الواقع في ضواحي العاصمة بوينس آيرس، موجة من التكهنات حول صحته وحالته النفسية. لكن بحسب معلومات حصرية نشرتها صحيفة Ámbito المالية، كان الرئيس بعيدًا كل البعد عن الخمول، بل كان منشغلاً بمشروعين طموحين:
- 📖 الأول: إنهاء كتابه الجديد بعنوان "الأخلاق كسياسة دولة" (La Moral como política de Estado).
- ✍️ الثاني: البدء في كتابة كتاب سيرة ذاتية جديد يركز على شغفه الأكبر: الاقتصاد.
وكشف الإعلامي الأرجنتيني المعروف إدواردو فاينمان في برنامجه على قناة A24 أن أحد الوزراء أخبره بأن ميلي "كان معتكفًا لإنهاء كتابه، ولم يتواصل مع أي شخص، باستثناء دائرته المقربة جدًا"، وهم: كارينا ميلي (أخته وكبيرة مستشاريه)، سانتياغو كابوتو (المستشار الاستراتيجي)، توتو كابوتو (وزير الاقتصاد)، وفيديريكو شتورزنغر (وزير تحرير الدولة).
"غالبًا ما يعترف للمقربين منه بأنه يفضّل العمل في أوليفوس لأنه لا يتعرض للمقاطعات هناك، ويمكنه العمل بشكل أفضل"
من هو خافيير ميلي؟ ولماذا هذا الاهتمام؟
قبل المتابعة، من المهم للقارئ غير الأرجنتيني أن يعرف أن خافيير ميلي هو رئيس أرجنتيني من التيار الليبرتاري، وصل إلى السلطة في ديسمبر 2023 بعد حملة انتخابية صاخبة. يشتهر بمنصبه السابق كخبير اقتصادي، وبتعهداته الراديكالية بإصلاح الدولة وتقليص الإنفاق العام، الأمر الذي جعله شخصية مثيرة للجدل سواء داخل الأرجنتين أو على الساحة الدولية. يُطلق عليه أحيانًا لقب "الرئيس الجدلي" بسبب تصريحاته النارية وأسلوبه غير التقليدي في إدارة البلاد.
العودة إلى الواجهة: خطاب سان مارتن
في يوم الاثنين 17 أغسطس 2026، ظهر ميلي أخيرًا في الاحتفال الرسمي بمناسبة الذكرى 176 لوفاة الجنرال خوسيه دي سان مارتين، بطل الاستقلال الأرجنتيني، في ساحة بلازا سان مارتين الواقعة في حي ريتيرو الراقي بالعاصمة. استمر خطابه حوالي 10 دقائق فقط، وكان ذا نبرة انتخابية واضحة، حيث هاجم ما أسماه "الأعداء الداخليين" (في إشارة إلى البيرونية/الكيرشنرية، التيار السياسي المنافس) و"الأعداء الخارجيين" (في إشارة إلى الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا). كما تضمن الخطاب نقدًا ذاتيًا جزئيًا للوضع الاقتصادي، قائلاً: "إذا لم تُظهر الحرية ثمارها..."، دون إكمال الجملة، في إشارة غامضة تركت المجال للتأويلات.
من جهته، خرج المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، أدريان رافيير، ليصف التكهنات حول صحة الرئيس بأنها "تكهنات سخيفة" و"عمليات تشويه مأساوية"، مؤكدًا أن ميلي "بحالة ممتازة". وفي مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء، أعاد رافيير التأكيد على استمرار خطة التقشف الاقتصادي، وقال بثقة إن حزبه يتخيل نفسه "فائزًا من الجولة الأولى" في انتخابات 2027.
أجندة مزدحمة: ما الذي ينتظر الرئيس؟
بعد فترة العزلة، تعود الحياة السياسية إلى نصابها بسرعة. إليك جدول الأحداث القادمة لميلي:
| التاريخ | الحدث | المكان |
|---|---|---|
| 20/08/2026 | منتدى مجلس الأمريكتين (الدورة 23) | فندق ألفير، بوينس آيرس |
| 21/08/2026 | محاضرة في بورصة التجارة | روساريو (ثاني أكبر مدن البلاد) |
| 22-28/09 | الجمعية العامة للأمم المتحدة | نيويورك، الولايات المتحدة |
| 29/09-03/10 | أسبوع الأرجنتين | باريس، فرنسا |
| 14/10/2026 | حفل التراث الإسباني (بحضور دونالد ترامب) | واشنطن العاصمة |
تكريم دولي مرتقب في باريس
خلال فعاليات أسبوع الأرجنتين في العاصمة الفرنسية باريس، من المقرر أن يتم تكريم ميلي بلقب "اقتصادي العام"، وذلك إلى جانب الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد فيليب أغيون. وسيلقي كلاهما محاضرة حول النمو الاقتصادي، حيث سيتحدث أغيون عن كتابه الشهير "التدمير الخلاق" (La destruction créatrice)، بينما سيعرض ميلي ورقته البحثية المعنونة "الحجم الأدنى القابل للحياة: الانقراض والهروب في ظل العوائد المتزايدة"، والتي أعدها بالتعاون مع الخبير الاقتصادي داميان ريديل.
لقاء حاسم بشأن زيارة البابا
في نفس يوم الثلاثاء 18 أغسطس، وعلى الساعة الخامسة مساءً، شهدت كازا روسادا (القصر الرئاسي) أول اجتماع رسمي لتنسيق زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الأرجنتين، المقررة في الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر القادم. وشارك في الاجتماع مسؤولون وطنيون، وحكومة مدينة بوينس آيرس، وممثلون عن الكنيسة الكاثوليكية، بمن فيهم رئيس أساقفة بوينس آيرس خورخي غارسيا كويرفا. وتشير التقديرات إلى أن هذه الزيارة قد تحشد ما يصل إلى مليون شخص في الشوارع، وهو ما يتطلب خطة أمنية ولوجستية ضخمة.
السياق السياسي والاجتماعي: تحديات كبيرة
تأتي فترة العزلة هذه في وقت يشهد توترًا اجتماعيًا متصاعدًا في الأرجنتين. فبحسب استطلاع أجرته جامعة UDESA، فإن 61% من الأرجنتينيين يعبرون عن عدم موافقتهم على إدارة ميلي، بينما يعتقد 57% أن البلاد ساءت أوضاعها مقارنة بالعام الماضي.
كما تعاني البلاد من أزمة مالية حادة، حيث يبلغ عدد الأشخاص المتأخرين عن سداد الديون 5.3 مليون شخص، وقد تجاوز مخاطر البلاد (مؤشر يقيس تكلفة الاقتراض السيادي) حاجز 480 نقطة، وهو رقم مرتفع يعكس قلق المستثمرين.
على الصعيد السياسي، يجري التفاوض بين حزب ميلي (لا ليبرتاد أفانزا) وحزب PRO (الحزب الجمهوري بزعامة الرئيس السابق ماوريسيو ماكري) حول احتمال تشكيل تحالف انتخابي لانتخابات 2027. ففي يوم الخميس 13 أغسطس، عقدت كارينا ميلي اجتماعًا مع ماوريسيو ماكري، تلاه لقاء آخر بين قادة من الحزبين أسفر عن اتفاق على عقد اجتماعات نصف شهرية.
💡 معلومة مهمة للقارئ
من المقرر أيضًا أن يقدم ميلي مشروع موازنة 2027 إلى الكونغرس في 15 سبتمبر القادم. وفي بادرة تضامن دولي، أعلن عن إرسال مساعدات إنسانية إلى كولومبيا يوم الثلاثاء 18 أغسطس، عبر طائرة عسكرية من طراز هيركوليس C-130. هذه التحركات تدل على أن الرئيس، رغم فترة الصمت، يتحرك على عدة جبهات في وقت واحد.