شهدت العاصمة مدريد تحركاً جماهيرياً واسعاً نظمته منصة المجتمع المدني الإسباني، حيث تسلط الضوء على أزمة الهجرة في مدينة سبتة ومشروعية حكم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز. ورغم محاولة إظهار جبهة موحدة، إلا أن التباين في الاستراتيجيات حول كيفية محاكمة الرئيس والمطالبة بانتخابات مبكرة كشف عن توترات عميقة بين الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (Vox).

الحدث: ضغوط شعبية ومطالب قضائية

في يوم السبت 26 سبتمبر، سار ما يقرب من 20,000 شخص في وسط مدريد، من ساحة سيبيلس (Plaza de Cibeles) وصولاً إلى قوس النصر، فيما عُرف بـ "مسيرة الكرامة الثانية".

نظمت هذه المسيرة منصة المجتمع المدني الإسباني (SCE)، وهي تكتل يضم أكثر من 150 كياناً وشخصيات بارزة مثل أليخو فيدال-كوادراس وماركوس دي كينتو. وقد تركزت المطالب الرئيسية حول أزمة الهجرة في سبتة (وهي مدينة إسبانية تقع على الساحل الشمالي لأفريقيا وتحد المغرب) والمطالبة بإجراء انتخابات عامة قبل 15 نوفمبر.

نقطة مفصلية:

يطالب المتظاهرون بتفعيل المادة 102 من الدستور الإسباني لمحاكمة بيدرو سانشيز بتهمة "الخيانة" و"المساس بأمن الدولة". ويربط هؤلاء بين إدارته ودخول 80,000 مهاجر إلى سبتة في شهر يوليو الماضي.

خلفيات: شرارة سبتة والتوتر المؤسسي

تصاعدت التوترات الحالية بعد أحداث 30 و31 يوليو، عندما شهدت شواطئ وشوارع مدينة سبتة تدفقاً كبيراً لأشخاص قادمين من المغرب. وتتهم المعارضة الحكومة بـ "الإهمال الجسيم"، مدعية أن أجهزة الاستخبارات كانت قد حذرت من هذه التحركات.

يأتي هذا في ظل مناخ من عدم الثقة الانتخابية وقضايا جنائية مفتوحة بالفعل في المحكمة الوطنية (Audiencia Nacional)، تحت إشراف القاضية ماريا تاردون، مما يضع الحكومة تحت رقابة قضائية مستمرة.

تحليل: جبهة مشتركة بصدوع استراتيجية

عملت المسيرة كـ "مقياس" للاستياء الشعبي، ولكنها كشفت أيضاً عن اختلافات تكتيكية بين قوى اليمين الإسباني:

  • سانتياغو أباكاسكال (حزب فوكس - Vox): تبنى نبرة تصادمية، واصفاً سانشيز بأنه "خادم ملك المغرب"، وضغط لكي يقوم البرلمان بالتنديد بـ "خيانة" الرئيس.
  • ميغيل تيلادو (الحزب الشعبي - PP): رغم دعمه للمطالبة بالانتخابات وانتقاده للحكومة، إلا أنه حافظ على مسافة واضحة عن بيان المسيرة. فقد استبعد الحزب الشعبي دعم مسار المادة 102، مفضلاً أن يأتي الحل عبر القضاء العادي والمحكمة الوطنية.

هذا التباين يوضح أنه بينما يتفق الطرفان على هدف إزاحة الحكومة، يتجنب الحزب الشعبي (اليمين الوسط) الانزلاق إلى خطاب قد يُنظر إليه على أنه "ثوري" أو "راديكالي"، بينما يسعى حزب فوكس (اليمين المتطرف) للاستثمار في حالة الغضب الشعبي القصوى.

لاعبون جدد

ينضم إلى هذا الصراع قوى صاعدة مثل Se Acabó la Fiesta (بقيادة ألفيس بيريز)، مما يضيف طبقة من عدم اليقين إلى المشهد الانتخابي ويضغط على الحزب الشعبي من جهة اليمين.

السيناريوهات المتوقعة

قد تفرض الضغوط الشعبية على الحزب الشعبي تشديد خطابه ليكون أقرب إلى مطالب حزب فوكس، وذلك لتجنب فقدان الناخبين لصالح اليمين الراديكالي.

قد تعمد الحكومة إلى تسريع مرسوم قانون ترحيل المهاجرين إلى المغرب لتحييد رواية "الغزو" قبل المظاهرة المقبلة في برشلونة في 12 أكتوبر.

من المحتمل أن يكون رفض الحزب الشعبي تفعيل محاكمة الخيانة محوراً لقطيعة أو احتكاك علني جديد مع أباكاسكال في الأشهر المقبلة.

ربما يتم تشكيل تحالف غير رسمي بين مؤسسات ومراكز فكر (مثل "Pie en Pared") لتنسيق أجندة مشتركة تتجاوز الأحزاب التقليدية.