ليس فقط ما تأكله: ساعتك البيولوجية تحدد كيفية معالجة جسمك للطعام
المقولة الإسبانية الشهيرة “افطر كملك، وتغدَّ كأمير، وتعشَّ كفقير” قد تحظى بدعم علمي أكبر مما نتصور. فمجال علم التغذية الزمني —الذي يدرس العلاقة بين توقيت الوجبات والصحة— يكشف أن الإيقاع اليومي (الساعة البيولوجية الداخلية للجسم) يلعب دورًا أساسيًا في كيفية استقلابنا للطعام.
مقال حديث من بي بي سي فيوتشر (19 أغسطس 2026) وتقرير من صحيفة “لا رازون” الإسبانية (20 أغسطس 2026) يتفقان على أنه بدلًا من البحث عن ساعة محددة عالميًا، المهم هو موعد توقفنا عن الأكل بالنسبة لموعد النوم.
لماذا يؤثر العشاء المتأخر على صحتك؟
لاحظت الباحثة مارتا غاروليت من جامعة مرسية في إسبانيا، منذ أكثر من عقد، أن مريضين يتبعان نفس الحمية الغذائية فقدا وزنًا بشكل مختلف؛ كان الفرق الوحيد هو موعد الغداء، فمن تناولت غداءها مبكرًا فقدت وزنًا أكبر. دراسات لاحقة شملت 420 بالغًا أكدت أن من يتناولون الغداء مبكرًا يفقدون وزنًا أكبر وبسرعة أكبر.
تجربة مضبوطة على 32 امرأة سليمة أظهرت أن تناول الطعام متأخرًا يضعف التحكم في الجلوكوز ويقلل حرق الكربوهيدرات. كما كشفت دراسة عام 2022 على أكثر من 800 بالغ أن تناول مشروب سكري قبل النوم بساعة واحدة (بدلًا من أربع ساعات) يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم وانخفاض الأنسولين. والسبب هو هرمون الميلاتونين، الذي يهيئ الجسم للنوم، وعند ارتفاعه ليلًا يضعف تنظيم الجلوكوز.
التأثير على الجوع وتخزين الدهون
تناول الطعام في وقت متأخر يخلّ أيضًا بهرمونات الشهية: ينخفض إنتاج اللبتين (هرمون الشبع)، مما يسبب جوعًا أكبر في اليوم التالي. كما تميل الخلايا إلى تخزين الدهون بدلًا من تكسيرها.
دراسة دولية شملت نحو 1200 بالغ (بمشاركة عالم الأعصاب فرانك شير من مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن) وجدت أن تناول الطعام متأخرًا يرتبط بارتفاع مؤشر كتلة الجسم لدى الأشخاص المعرضين وراثيًا للسمنة، بينما تناول الطعام مبكرًا يقلل هذا الخطر.
فوائد لصحة القلب والفطور المبكر
بحث شمل أكثر من 100 ألف شخص في فرنسا كشف أن تأخير وجبة الفطور يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وعلى النقيض، فإن الصيام الليلي الأطول —بفضل العشاء المبكر— ارتبط بـ صحة قلبية أفضل.
أوضحت أخصائية التغذية الكبرى في المؤسسة البريطانية للقلب، فيكتوريا تايلور، لصحيفة “لا رازون” أن تخطي وجبة الفطور يرتبط بزيادة خطر السمنة وارتفاع الكوليسترول الضار (LDL)، رغم أن التجارب السريرية تظهر نتائج متباينة.
هل أنت شخص صباحي أم مسائي؟ نوعك الزمني مهم
نوعنا الزمني —هل نحن “قبرات” (صباحيون) أم “بوم” (مسائيون)— يؤثر على موعد طعامنا وكيفية استجابتنا له. وفقًا لـ جوفانا موسكوجيوري من جامعة فيديريكو الثاني في نابولي، فإن الصباحيين لديهم قمم حساسية للأنسولين أبكر، بينما المسائيون يؤخرون وجباتهم ولديهم تحكم أسوأ في الجلوكوز.
قلة النوم تلعب أيضًا دورًا سلبيًا: النوم القصير يزيد الرغبة الشديدة في الطعام واستهلاك السعرات الحرارية.
نصائح عملية: متى تتوقف عن الأكل؟
لا توجد ساعة سحرية تناسب الجميع، لكن الخبراء يتفقون على:
- ✔ تناول العشاء قبل النوم بثلاث ساعات على الأقل (حسب بي بي سي).
- ✔ تركيز الطعام في ساعات النهار، مع غداء وفير وعشاء خفيف.
- ✔ إدراج الكربوهيدرات الغنية بالألياف (الحبوب الكاملة، البقوليات، الفواكه) في وقت مبكر من اليوم.
- ✔ في الليل، اختر البروتينات والأطعمة التي تعزز النوم (الدجاج، السلمون، التونة، المكسرات، البذور الغنية بالتريبتوفان).
- ✔ حافظ على مواعيد منتظمة وتجنب الوجبات المتأخرة.
أسلوب الأكل المقيد بالوقت —تحديد نافذة الأكل في فترة نهارية— أظهر فوائد مثل خفض ضغط الدم والوزن، لكن الأدلة لا تزال أولية. وتحذر تايلور من أن الاستراتيجيات التقييدية قد تتعارض مع الحياة الاجتماعية ولا ينصح بها للجميع.
الخلاصة: جودة النظام الغذائي تبقى أهم من الساعة. تناول الطعام مبكرًا وبانتظام لن يضر غالبًا وقد يعود بفوائد، لكن الأساس هو تغذية صحية متوازنة.
المصادر: بي بي سي نيوز موندو (19/08/2026) وصحيفة لا رازون (20/08/2026).